الاثنين، 13 يناير 2014

ناصر القحطاني.. رصاصة تحين في توقيت الشعر بقلم علي المسعودي


 بقلم: علي المسعودي

يغيب الشاعر ناصر القحطاني عن الإعلام طويلا.. ثم يهب فجأة بعاصفة، أو غيمة، أو فيضان.
يأتي بشعر موجع.. وألم فياض.. وتصوير جدير بالإبهار.
ناصر يحمل الشعر قضية.. ويحول القصيدة إلى رصاصة حينا، وإلى غيمة خير حينا..
وفي الفترة الماضية قدم تعاونات شعرية مذهلة.
ليظل... الأكثر غزارة، وألماً.
الأكثر صدقاً... وحزناً.
قصيدته مراوغة... لا تعرف أين توجهك بوصلتها... ومن أي جهة ستهب عليك.
يفاجئك بشعره... دائماً، لأنه لا يدخل من الأبواب التقليدية...
يثقب الجدار... ليشق طريقاً لنور الشمس كي يسري في عروق المبنى الثقافي.
«ناصر القحطاني»... شاعر «الذاهبة» وشاعر أجمل الشعر...
قدم عددا من الأصدارات المقروءة والمسموعة.. بالإضافة إلى عدد من القصائد المصورة.. وكان في كل منها له بصمته الخاصة ونهجه الخاص.. حتى أشاد بها كبار الشعراء وجارى فكره صفوة المفكرين.
نتاجه الشعري ... عوالم متنوعة، همّ حقيقي، وإحساس بالأمة وقضاياها...
يرحل مع الشعر... إلى ألقه الخاص، وطبيعته الخاصة...
وفي ظل تسابق الشعراء إلى تحقيق مكاسب ذاتية ومزايا شخصية... من خلال الشعر، ينهج  نهج الأصالة في التعامل مع هذه الموهبة، بصفتها قيمة وخلقاً... ومسؤولية.
أفتح الصفحة السادسة من ديوانه (الذاهبة)... وأقرأ الإهداء:
كنت أعتقد أنني سأكون في أكثر حالاتي
ترتيباً وجاهزية مادمت أحمل المقص وأقف
أمام شريط الحفل...
لكني أحسّ بربكة شديدة، فإلى من أهدي وعمّن أتحدث...؟
أمامي... أغلى روح فقدتها...
أمامي... أغلى روح باقية...
أمامي... حلم أصبح حقيقة
أمامي... أنتم
ثم ينهمر «ناصر القحطاني» عبر مدخل معبّر:
أطوّل قامتي... وأوقّف التاريخ راس براس
وأقول إن ماتوا أهل المجد... ما ماتوا مداويره!
هذا تطواف مبهر... في عمل يتشكّل من كل لون، من كل غيمة... من كل بهاء.
تحاول أن تشكّل الشاعر فلا يتشكل، فهو يرحل مع كل حزن، أو بهجة...
يشرق في كل قصيدة بشكل جديد.
النرجسية، الإحساس الضخم بالنفس، الذاتية المفرطة...
حالات اعتدنا أن نستقبلها من الشعراء، فكل قصيدة هي صورة فوتوغرافية للشاعر... من جهة جديدة، من زاوية مختلفة.
الشاعر يحب التقاط صور لذاته... من كل شكل وبكل إطار.
لكن «ناصر القحطاني» يختلف... لأنه يحمل الكاميرا، ويبدأ في تصوير قلوب الناس.
هو مشغول بالآخرين... أكثر مما هو مشغول بنفسه، منتمٍ الى الناس... أكثر مما هو منتمٍ الى ذاته.
إحساسه يتفاعل ويعتمل بالقضايا الكبيرة... ولا يتكئ كثيراً على قضاياه هو.
نحمد الله اللي بيّن الحقد الدفين الغابي
واعتق أقنعة الوجيه اللي تقاربناها
أول المكروه سلبي... وآخرته  إيجابي
خير الأرض: «القبلة»... وخير الدروس: أقساها
يوم وصلت للحمى... ما أرخص من العنابي
من يعيش بدون مذهب... عيشته ينعاها
جدّي أعرابي وانا أعرابي وأبوي أعرابي
وأكبر مصيبه على الأعراب قرب حماها
كثّروا فيك الحكي يالمسلك الوهّابي
كلما «زمزم» شربنا شربةٍ من ماها
يزعمون أنك تصدّر كل يوم إرهابي
الله يكرّم مشايخنا وطيب لحاها...
هكذا يدافع «ناصر» عن مسلكه... ويصدّ بسيف قلمه التّهم التي تلقى جزافاً على مذهب المجدّد «محمد بن عبدالوهاب» رحمه الله... وهكذا يصوغ فكرته الجميلة عبر قصيدته المعنونة بـ «إرهابي»... وهو يذود عن هذه الأمة وهذه القبلة... أطهر أرض وأكرم ملّة.
ثم يكمّل النهج الجميل عبر قصيدته الشهيرة «جبل طارق».. لا ينعى الأمة، بل يجدد فيها الأمل، لا يصفع حاضرها... بل يذكّرها بأمجادها: الأندلس.
من خلال خطاب حميم مع «جبل»...
«طارق» وروّح... تصبّر ياجبل طارق
لو رزّت القوم في راسك بيارقها
يتبع ذلك بقصيدة تجمع «شظايا البلور المكسور» في قلبه... تحمل عنوان «قصر الحمراء»...
على الحمرا السلام وكلّ حيٍّ يذكر أمجاده
وانا تاريخي أمجاد وبراهيني مجوّدها
حديث آخر... مع قصر الأمجاد... والدمعة الشهيرة لأبي عبدالله الصغير... وجملة الأم الشهيرة:
«ابك كالنساء... ملكاً لم تحفظه كالرجال».
لكن الألم الأقسى... يندمل بالأمل:
متى؟ مدري متى!... لكن مصير الحق نعتاده
مادام جباهنا ما فارقت روضة مساجدها
هكذا يكون الرهان الأروع على «المبدأ»... من هذا التذلل لرب العزة... وإلصاق الجباه بالتراب خشية له... تكون الرفعة والمجد.
وما بين الشهيد «أحمد ياسين»... والطفل «محمد الدرة»، والبطلة «دلال المغربي»... تنطلق شظايا الشعر من بين أصابع «ناصر»... تعبئ الفضاء برائحة البارود... منبعها قلب ملتهب، ملتحم بقضايا الأمة، أمانة الدين، عذاب الإنسان، تعنّت الظالم:
وإن كان طالت والعصافير أسرف بها اللي رمى
يا الله بجيلٍ كلّه يشابه «دلال المغربي»
ثم ترتفع نيران الكلمات... وهي تحمل اسم «بغداد»:
عساها فاتحة برد وسلام وخاتمة وقّاد
على «دار السلام» الله يروّع من يروّعها
حضارة سومر وبابل... قبل تشريفة الميلاد
عروق الرسل والعلم وهل الشعر وروايعها
هوى سيف الله المسلول يوم السيوف حداد
مساري سربةٍ كان المثنى في طلايعها
ثم تدمع عيون الشعر... وهي تقرأ قصيدة رثاء فقيد الأمة العلامة «ابن باز»...
كيف نبكي لا فقدنا شيخنا العلامه
كيف نزعل والصواب اللي فجعنا سنّه
الكفيف المبعد الشامخ قصير القامه
بشّروا به سندس الفردوس واهل الجنه
أضطر لقلب صفحات تحوي لؤلؤاً من شعر... من إحساس... من وله وجمر وجمال: سالفة بدو، التعب، الغربة، كلمة راس، غازي، تهليلة وتكبيرة، يا بوي، النساء، حليب أمي، آخر زمن، شمّر، طعم المسا، فلسفة، الساعة العروس...
وقصائد أخرى كثيرة صاغها «ناصر» بأسلوب شعري مميز، حبكاً وسبكاً وتنويعاً في الأداء الشعري... وصولاً إلى الحضور الأبهى... من خلال «الذاهبة».
الوداع اللي بعلم... لعيني أعبر من رمدها
والوداع اللي بلا علم.. لقفص صدري غبينه
والوداع اللي بلا رجعه... عليّ أمرّ وأدهى
والله إنه غرغرة سمّ وسكاكينٍ سنينه
والعنود اللي جفيت الناس والدنيا بعدها
مدّت الفرقا لغاليها وهي تعطي الثمينه
هكذا... يمر «ناصر القحطاني» حييّاً، هاطلاً، كريم الشعر، بهي الحضور... تزخر به الذاكرة... لا يغيب إلا ليعود أكثر صدقا بقيمة نادرة... تستحق الشعر والتكريم... والتقدير الكبير.
لكني قبل الذهاب المرتقب لقصيدته في الصفحات التالية... أختم بهذا البيت الذي يختصر ما أود قوله، وما أسعى لتبيانه، حول قضية الشعر الرئيسية التي لا تأتي، وكلما اقتربت منها تباعدت أكثر، وسط أجواء الاستفادة السطحية من الشعر
يهتف المبدع بإجلال لقضيته المؤجلة:
غيري من الشعر استفاد ألف حاجة
وانا آتحرّى حاجةٍ مابعد جات
أقول لصديقي ناصر: أجمل من الكتابة عنك... القراءة لك!
أما قصيدته (سوار الذهب) فهي قراءة مبكرة.. لأحداث لاحقة:

يا «زول»... كل الرجال أزوال مثل الخَشَبْ
لين التعارف يضفّ من العيون الغمام
طلّيت واقفيت كنّك جاي تحمل عَتَبْ
غسلت في عامٍ أنانية ملوك ألف عام
يا الفارس اللي ترجّلت وحضنْك الهَدَبْ
يا ليتك أبطيت والدنيا عليها السلام
يوم اعتنق معصم الأمة «سوار الذهب»
طاب التلاقي... ولا أحلى منه غير الخصام
ثرت وبدل ما يسيل الدم لين الركب
أوميت بالغصن حتى جاك سرب الحمام
هِمْنا بموّالك اللي مثل صوت القصب
يا عاجل البرِّ والخيره ومسك الختام
الله على فعلك أثره مثل حدّ الحدب
والله على الكرسي أثره مثل بنت الحرام
أحْدٍ على أخوه واحدٍ ضد أبوه انقلب
ترسم وتحسم خرايط تحت جنح الظلام
واحدٍ رهين اتجاه الريح مع من غلب
واحدٍ على طول خِلْف خْلاف... ليته عَدَامْ
ما يعجبه لا العجب ولا الصيام برجب
كان أسفل السافلين وفجأة أعلى السنام
واللي انولد وسط فمه ملعقة من ذهب
الرب ساتر عيوبه من سنين الفطام
بس أنت غير وفعلوك غير... يا للعجب
من يأسنا في الحلال نظن فعلك حرام
خطـّابة العرش مرّوا في زحام وصخب
يا أشد أهمية من أهل الصخب والزحام
يا أكبر فخامة وأقوى عزوم وأعلى رتب
واطلق زعامة وأعز جنود وأطهر نظام
لا فاخروا بالدراهم والحسب والنسب
معاويه وانت عيدين بحياة العرب
واحنا جسد وانتم الاثنين تاج ووسام
قالوا زمام أمة محمد عساه انقضب
قلت الله يخلّي خشوم النسا للزمام
في شرقنا تنقص الثروة وحجم الغضب
ويزيد رقم النصايب جنب رقم الخيام
فخامة الريّس أعيانا الرجا والتعب
حتى أصغر أحلامنا ما هي على ما يرام
فخامة الريّس آخر شي عندي طلب
تسمع من اللي فتح لك قلبه آخر كلام:
لو فيه عشرين حاكم من «سوار الذهب»
ما كان قلنا عروبتنا عليها السلام!!








حكاية اندلسية


الساعات الأخيرة في قصر الحمراء..





تدور أحداث الحكاية في نهايات القرن الخامس عشر الميلادي . حكاية قصيرة ... لكن الزمن ظل يسردها طويلا .. عن الأمير موسى بن أبي الغسان بعيد الهمة كريم السجية , أبي النفس , باهر القوة مستوفيا شروط الفتوة , بهي الوجه نافذ العزيمة , حدا في عزة النفس وذكاء الطبع .
لم يذكر أدرب منه في عصره بفنون الفروسيه , ولا أحس منه اقتعادا لصهوات الخيل , ولا ألبق ولا أرشق حركة بألعاب السيف والترس وتقليب السلاح بأنواعه , كان إذا برز في ميدان ترك أمره فتنة لحسان غرناطة , ومدارا لحديث الأندلسيات , وإذا شهد الكريهة قذف مشهده الرعب في قلوب الإسبان , وطالما نصر المسلمون باسمه .
كان موسى ناقما على السلطان أبي عبد الله الصغير – ملك غرناطة الصغير – هوادته مع النصارى , ولين جانبه لهم , فعندما وصل إلى غرناطة رسل الملك الإسباني فرديناند وشاع ما طلبه من تسليم الحضرة , والنزول عن " الحمراء " آخر ما تبقى من قلاع غرناطة , قام موسى هو وتلك الفئة المائلة إلى الحرب مستنفرين العامة إلى الجهاد , وإلى عواقب الخضوع من فقد الأمن على الأعراض والدماء والأموال . وأعمل موسى في الاحتشاد وبالغ في النفير , فاجتمع فتيان غرناطة وأرسلوا الجواب إلى فرديناند أنهم يفضلون الموت على تسليم مدينتهم . فلما أيقن فرديناند ما أجمعوا عليه أطلق الغارات على الأطراف , بينما تبايع موسى بن أبي الغسان وفتيان غرناطة على القتال حتى الموت .
فلما أخذ الأسباب يشنون الغارات خرج الأمير موسى بفرسانه فوالى عليهم الهزائم , وصارت خيوله وسراياه تعود بالغنائم , وتدخل إلى غرناطة دخول الظافر , مما أعاد إلى خواطر عرب الأندلس ذكر الأيام الماضية وأمجادها الغابرة .
فلما أدرك فرديناند خطر المواجهة , عمد إلى تخريب المدينة من أطرافها , فحضر بخمسة آلاف فارس وعشرين ألف راجل , وأخذ يكتسح مرج غرناطة البديع النضير , فشمل تلك المروج تخريبا , وبعث النار في جميع أرجائها حتى غطى الدخان الأفق , وأظلم جو غرناطة من دخان شجرها , هذا وأبو عبد الله لا يجسر على الخروج من حمرائه خوفا من فتك العامة به , لقولهم إنه هو سبب هذه المصائب .
أما موسى فقسم فرسانه إلى عدة كتائب , وأطلق الغارات على أطراف معسكر الأسبان , فأبلغ فيهم النكاية , ولما رأى " فرديناند " أن مناجزة المغاربة في هذه المناوشات الخاصة , تعود غالبا بالخسران على عسكره , أصدر أمره الصارم باجتناب القتال معهم , والاعتماد على العبث في بلادهم , واكتساح أراضيهم , واستئصال أسباب القوت , ليأخذ غرناطة بالمجاعة بدل الحرب .
وقد جاءت لأهالي غرناطة ضربة موجعة لم يحسبوا لها حسابا , وذلك بخيانة أحد قوادهم العرب وهروب إلى القوات الإسبانية , وذلك هو مولاي أبي عبد الله المزعل الذي انضم ومن معه من فرسانه إلى القوات الإسبانية , محاربا ضد أبناء عمومته وأهل دينه .
وبعد أن عطل فرديناند مروج غرناطة , زحف بأربعين ألف راجل وعشرة آلاف فارس لحصار المدينة , وكانت الملكة " إبزابيلا " مع ولدها البرنس جويان وابنتيها جويانة مارية وكاتاليتة في حصن " كونت تنديله " تبعث بالمدد والذخيرة إلى المعسكر , فلما رأى السلطان أبو عبد الله من شرفات الحمراء جيوش الطاغية مقبلة , عقد مجلسا من أعيان غرناطة , فأشاروا عليه بتسليم مقاليد أمره إلى كرم فرديناند أملا بنهاية مقبولة , عقد مجلسا من أعيان غرناطة , فأشاروا علية بتسليم مقاليد أمره إلى كرم فرديناند أملا بنهاية مقبولة , فلما سمع موسى بن أبي الغسان هذا الرأي نهض قائلا : " أي باعث بنا إلى اليأس , فإن دم الأبطال من عرب الأندلس فاتحي هذه الديار يجري في عروقنا " , ولما قرب النصارى من المدينة أحكم المغاربة أقفال الأبواب وجعلوا وراءها السدود والسلاسل وأوثقوها بالأغلال المتينة , فجاء موسى وأمر برفعها كلها قائلا : " قد عهد إلى والى خيالتي حراسة هذه الأبواب , وستكون أجسادنا سدودا من دونها ".
ولما رأى موسى أن الملك فرديناند لا يناوشهم القتال منتظرا تسليم البلد بالحصر والتضييق وقطع الميرة , أخذ يرسل فرسانه لمبارزة فرسان الأسبان قرنا لقرن , فلم يكن يمضي يوم إلا ويقع فيه عدة مبارزات بين شبان الطائفتين , فرأى فرديناند أن هذه المصارعات الشخصية قد أثارت جاش المغاربة , وقوت عزائمهم , وأفقدت عددا من فرسانه , فأمر جيشه بعدم قبول النزال .
ومن وحي ذلك قال شاعر ذلك العصر سيدي محمد العربي العقيلي :

بالطبل فـــــي كـــــــــل يـــــــــــــــــــوم
                             وبالــــــــــــــنـــــفـــــــــــــيـــر نــــــــــــــراع
ولـــــــــــــــــــيس من بعــــــــد هـــــــذا

                             وذاك  إلا الـــــــــــــــــــــــــــــــــقــــــــــــراع 

محاولة الاقتراب من الذئب الشمري







ذيب الشمري: أجريب بروفة شعرية لموتي!!







جمعتنا جلسات كثيرة
منذ أكثر من عشرين عاما وأنا أعرف أخي الأستاذ والشاعر ذيب الشمري.. وتبهرني شخصيته.. وهو يقول الكلمات المؤثرة التي تذهب إلى العمق.. يستل الحكمة من الكوميديا ومن الحزن ومن الفرح ومن المداعبة ومن الشعر.
أطالع وجهه فأرى الخريطة العربية بكل حزنها وخيباتها وصلابتها وآثار أنبيائها وصدقها وصحرائها..
منذ وقت طويل تجتاحني فكرة تسجيل آرائه وذكرياته..
وفي رحلة جمعتنا في سيارة واحدة من الكويت إلى حفر الباطن زرنا فيها الصديق شبيب اللغيصم.. كان الحوار يدور حول هذه الفكرة.
ذهبت معه.. وعدت وكأنني - بلامبالغة ولامجاملة- قد تخرجت من دورة تدريبية في فنون الحياة.. وجنون الألم!
ثم جمعتني معه رحلة طويلة أخرى من الكويت إلى حايل.. برفقة أخينا الشاعر المبدع محمد الضويلي.. وقضينا أياما من الشعر والذكريات
بعد صلاة الفجر اجتمعنا في خيمته فوق يطح البيت!.. وكان الفطور.. ثم انطلقنا..
وماهذه السطور التي تدون هنا إلا هامشا ضئيلا من حكايات طويلة
وإين عازم حقا على سبر أغوار هذا الشاعر الذئب.. وتقلباته وصراعه مع الحياة..

وكثرة التأجيل تميت الفكرة.. قلت أبدأها إذن ولو في حوار صغير أنشره في مجلة بيت الشعر.. كانت هذه تفاصيله:


منذ ظهوره في أواسط الثمانينات برز ذيب الشمري كظاهرة شعرية هي الأولى من قبيلته التي تقتحم عالم القلطة.. الذي عرف كفن خاص بقبائل الجنوب..
ومع البدايات كانت الصعوبات.. وكان الإصرار..
ومع إجادته لأسرار الملعبة.. وخوضه الصعب.. أثبت حضوره.. وأصبح علامة فارقة في كل عرس، ثم مهرجان.
ومابين الهجوم والصد، والنقض والفتل.. تكونت ذائقة ذيب الشمري الشعري، وطرحه.. واهتمامه.. لكنه لم يتخل عن الكفة الأخرى التي تعدل له الميزان الإنساني. ففي شعر النظم جاء بصوت الحكمة والمحبة والأخوة والألفة.. فجمع النقيضين في شخصية واحدة.
معه هذا الحوار
- أبدا من وقوفك امام سمو الامير قبل فترة قريبة ضمنتها عددا من القضايا خاصة مطالبتك بحل قضية البدون
ماذا يمثل لك ذلك الموقف.. وكيف وجدت أداءك؟

- لقد تشرفت بإلقاء القصيده امام صاحب السمو الامير وتفاعل سموه هو الذي اعطاها القيمه والاهميه واما الموقف فـ يعني لي انه موقف انساني يستحق ان يطرح, فـ مناصحة ولي الامر وايصال معاناة الناس إليه بالاطار الادبي من الواجب الشرعي قبل الواجب الشعري وهذا من اولوليات الشاعر واما الاداء هذا يقيمه الاخرون


- في ذلك الموقف تخليت عن مطالباتك الشخصية وهي العادة التي اصبحنا نراها من الشعراء في مثل هذه المواقف بالهم الشخصي البحت؟

 في مثل هذا الموقف مطلوب الايثار فمصلحة الجماعه مقدمه على مصلحة الفرد من المنظور الشرعي , واما من المنظور الادبي تقتضي الامانه ذلك
هل هي رسالة الى الشعر -والشعراء- ليرتفع بمواضيعه واطروحاته؟ 
نعم لكل مقام مقال كما انها تشجيع للشعراء على القيام بمسؤولياتهم وتعزيز دورهم الاجتماعي وتفعيل ادوات الرساله الشعريه في تشخيص العلل واعطائها ماتستحق من المعالجه المناسبه في الوقت المناسب 

٥- قصيدتك الحوارية مع القبر.. انتشرت في رسائل الواتساب.. ٍكأنما هي توديع للحياة بشكل ما؟
-

قيل من قبل اذا اردت ان ترى حال الدنيا بعد موتك فأنظر الى حالها بعد موت غيرك فتوديع الحياه لابد منه والمحاوره مع القبر كانت من بروفات ذلك التوديع القادم فاشتملت على اسأله وأجوبه تهم كل انسان الى قيام الساعه اسأل الله ان تنفعني يوم لاينفع مال ولابنون الا من أتى الله بقلب سليم
قضاياك في شعر النظم مليئة بالنصح والألفة والحكمة.. كأنما هي تكفير عن ذنوب ابياتك في ميادين القلطة؟

ابيات النظم تكتب بالعقل الفاعل الذي كما قيل عنه يصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ، واما ابيات المحاوره فهي تنطلق من العقل السائد الذي لايستخدم الا مايحفظ من اعراف ومن ثقافه
كيف توفق كشاعر وكيف يوفّق المتلقي بين شخصيتين لشاعر واحد .. احداهما تهجو وتهاجم وتفضح، والاخرى تنشد الحكمة وعفة القول والعمل؟

 
انا اوفق اني اهدي الفحم للناس في فصل الشتاء ليجعلوا منه الجمر للتدفأه واهدي الثلج في فصل الصيف ليجعلوا منه الماء للشراب والمتلقي يرى ان النافذه التي يخرج منها الدخان هي نفسها التي تسمح بمرور الهواء النقي ولهذا يقبلوا منها الاثنين

 
حضورك في المشهد الشعري الامارتي قليل جدا.. ماالسبب
الحضور يتوقف على الدعوه ولا اتردد في المشاركه في وجود الدعوه
لك عدد من البحوث والدراسات كيف ترى المشهد الشعري الاماراتي وبم يتميز؟

المشهد الاماراتي فرض نفسه بقوه بأنشطته المتنوعه ورواصده العلميه واختياره للعقول دون النظر للاساس العرقي او الجغرافي وهذا مايميزه عن غيره
الجهود التي يبذلها سمو الشيخ سلطان بن زايد ال نهيان في الحفاظ على الموروث لفتت انتباه العالم.. برأيك هل ينكعس ذلك على الثقافة العامة وهل من المفيد ان تتكرر التجربة في الخليج؟

ينعكس على الثقافه العامه بطابع خليجي فجهود الشيخ سلطان بن زايد ال نهيان شرفيات متنقله يجدها الخليجيون هنا هناك تجلب لهم المزيد من الاحترام والثناء واما الشق الثاني من السؤال فـ ليس مفيد التكرار لان الاعمال اذا تشابهت فقد يختفي التميز ويفتقد البريق وينطفأ الاعجاب وتتشعب الطرق وتتقاطع الفوائد الا بأساليب مبتكره فلا باس في ذلك
برنامج البادية الذي تظهر من خلاله بين فترة واخرى.. ماسلبياته وايجابياته؟


برنامج الباديه من اوائل البرامج التي فتحت المجال للشعراء بالمشاركات في عرض انتاجهم للجمهور ومنحهم بطاقات العضويه وتخصيص مكافأت لهم في مقر مستقل واداره منظمه والمأخذ على هذه البرامج انها تسير بخطى بطيئه نحو التطور ومواكبة المرحله ومتطلباتها والتي منها اعطاء الشعراء حريه في الاطار المسموح به ان يطرحوا مايرون انه يستحق الطرح والمناقشه من مواضيع